الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
13
نفحات القرآن
لكن المرحوم الشيخ الطوسي في « التبيان » والشيخ الطبرسي في « مجمع البيان » سبقاه في التوجّه إلى هذه الملاحظة وأشارا إليها بعبارة مختصرة واضحة . إنّ كتابنا السماوي القرآن الكريم يحتوي في الحقيقة على قسمين من العلوم ، فالقسم الأوّل هو من المعارف التي يمكن أن تكتسب عن طريق الاستدلال العقلي ، وإن كان القرآن قد عرض هذا القسم بشكل أكمل وأكثر اطمئناناً من الاستدلال العقلي . والقسم الآخر يستحيل اكتسابه بغير الوحي كما تقدّم ، وهو الذي تمّ الاستناد إليه في الجملة الأخيرة ( كالكثير من الحقائق المرتبطة بعالم ما بعد الموت والقيامة ) ، أو التواريخ المعتبرة للأقوام والأنبياء عليهم السلام السابقين والتي ضاعت على مرّ الزمن ، وكذلك العلوم والمعارف التي حجبت عن أنظار المفكّرين في ذلك الزمان على أقلّ تقدير . 3 - إقامة القسط والعدل تمّت الإشارة في الآية الرابعة بشكل عامّ إلى أحد الأغراض الرئيسية من بعثة الأنبياء عليهم السلام ألا وهو إقامة العدالة الاجتماعية ، وأنّ نزول الكتاب والميزان بمثابة المقدّمة لذلك ، يقول تعالى : « لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ » . لقد أشير في هذه الآية إلى ثلاثة أمور باعتبارها مقدّمة لإقامة العدل ، وهي « البيّنات » التي تعني الأدلّة كما لا يخفى ، والمشتملة على المعاجز والأدلّة العقليّة على أحقّية دعوة الأنبياء عليهم السلام وأخبار السابقين منهم ، و « الكتاب » الذي يشير إلى الكتب السماوية التي تحتوي على بيان المعارف والعقائد والأحكام والأخلاق ، و « الميزان » الذي يعني القوانين المميّزة للخير من الشرّ والفضائل من الرذائل والحقّ من الباطل . تمتّع أنبياء اللَّه عليهم السلام بهذه القوى الثلاث التي تمكّنهم من دفع البشريّة نحو إقرار العدالة ، والملفت للنظر هنا هو عدم نسبة إقامة العدالة إلى الأنبياء ، بل التصريح بأنّ المجتمعات